سيد محمد طنطاوي
366
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ولقد أنجز اللَّه - تعالى - لنبيه صلى اللَّه عليه وسلم وعده ، حيث أعطاه شريعة سمحة ، ومنحه أخلاقا كريمة ، من مظاهرها أنه صلى اللَّه عليه وسلم ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ، ودعا أتباعه إلى الأخذ بمبدأ التيسير ، فقال : « يسروا ولا تعسروا ، وبشروا ولا تنفروا . . » . فهاتان بشارتان عظيمتان للرسول صلى اللَّه عليه وسلم . أولاهما : تتمثل في إلهامه الذاكرة الواعية الحافظة لما يوحى اليه . وثانيتهما : توفيقه صلى اللَّه عليه وسلم إلى الشريعة اليسرى ، وإلى الأخلاق الكريمة وإلى الأخذ بما هو أرفق وأيسر في كل أحواله . ثم أمره - تعالى - بدوام التذكير بدعوة الحق بدون إبطاء أو يأس فقال : * ( فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى . سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى . ويَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى . الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى . ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيى ) * . والفاء في قوله * ( فَذَكِّرْ ) * للتفريع على ما تقدم ، والأمر مستعمل هنا في طلب المداومة على التذكير بدعوة الحق التي أرسله - سبحانه - بها ، والذكرى : بمعنى التذكير . والمعنى : إذا كان الأمر كما أخبرناك - أيها الرسول الكريم - فداوم على تذكير الناس بالهدى ودين الحق ، واتبع في ذلك الحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن ، واهتم في تذكيرك بمن تتوقع منهم قبول دعوتك ، وأعرض عن الجاحدين والمعاندين والجاهلين . قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كان الرسول صلى اللَّه عليه وسلم مأمورا بالذكرى نفعت أو لم تنفع . . فما معنى اشتراط النفع ؟ . . قلت : هو على وجهين : أحدهما . أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قد استفرغ مجهوده في تذكيرهم ، وما كانوا يزيدون على زيادة الذكرى إلا عتوا وطغيانا ، وكان النبي صلى اللَّه عليه وسلم يتلظى حسرة وتلهفا ، ويزداد جدا في تذكيرهم ، وحرصا عليه ، فقيل له : وما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ . فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ وذلك بعد إلزام الحجة بتكرير التذكير . والثاني : أن يكون ظاهره شرطا ، ومعناه ذمّا للمذكّرين - بتشديد الكاف المفتوحة - وإخبارا عن حالهم ، واستبعادا لتأثير الذكرى فيهم ، وتسجيلا عليهم بالطبع على قلوبهم ، كما تقول للواعظ : عظ المكاسين إن سمعوا منك ، قاصدا بهذا الشرط ، استبعاد ذلك ، وأنه لن يكون . . « 1 » . وقال الإمام الرازي ما ملخصه : جاء التعليق بالشرط في قوله - تعالى - : * ( فَذَكِّرْ إِنْ ) *
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 738 .